المناعة الفكرية 2 ..

إن كثيرا من القضايا التي تشغل المفكرين المسلمين اليوم تتصل على نحو ما بالواقع الذي تعيشه أمة الإسلام.

وهم يعملون على نحو أساسي في إيجاد حلول للمشكلات المختلفة من أفق ثوابت الإسلام ومبادئه الكبرى, ولن ينجحوا في مساعيهم النجاح المنشود إلا إذا استطاعوا إيجاد تيار شعبي يتجاوب مع طروحاتهم, ويشارك في عمليات التغيير.

وهذا في الحقيقة يتطلب – فيما يتطلب – أمرين أساسيين:

الأول : أن يتمكن المفكرون المسلمون من إبراز أفضل وأوضح صورة ممكنة للواقع الذي يريدون معالجته,

تماما كما يفعل الطبيب قبل أن يصف أي دواء. ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن تشخيص الداء الأخلاقي أو الاجتماعي أصعب – بما لا يقارن – من تشخيص الداء الجسدي، وذلك يعود إلى أن أي توصيف لوضعية اجتماعية أو أخلاقية يعتمد أساسا على التعريف لتلك الوضعية، والتعريفات في الشأن الإنساني تعاني دائما من القصور الذاتي, وتعاني من الانتقائية والنسبية والغموض ومع هذا فإننا حين نتعامل مع مشكلاتنا بعقل مفتوح وبمرونة ذهنية جيدة, فإنه يمكن الاستدراك والتلافي لكثير من النقص في عمليات التشخيص والتقويم.

الأمر الثاني : يتجسد في بلورة خطاب يمكن وصفة بأنه من قبيل السهل الممتنع. خطاب يصور الواقع بعمق الفكرة وبساطة الأسلوب.

وعمق الفكرة يأتي من الفهم العميق والشامل لذلك الواقع،وتأتي بساطة الأسلوب من فهم مستويات المخاطبين وخلفياتهم الثقافية، إن من الصعب في أجواء شديدة العملية وشديدة المصلحية – المحافظة على مناعة تفكيرنا إذا لم نثبت أننا نملك الأفكار والطروحات والبدائل التي تخفف من وطأة المشكلات التي يعاني منها الناس.

الإبداع في الحلول, وعدم ترك المشكلات تتراكم والشجاعة في تقديم البدائل.. شروط أساسية لإبقاء أنظار الجماهير متعلقة بالرؤية الإسلامية للإصلاح, ومتعلقة بمن يقدمون تلك الرؤية من مفكرين وعلماء ومصلحين.

إن كثيرين منا – ولاسيما الشباب – يسارعون إلى الادعاء بفهم الواقع والإحاطة به.

مع أنهم لم يبذلوا أي جهد متميز في فهمه ومقاربته, ولا يعرف لهم اختصاص دقيق في معالجة شؤونه!

إن الواقع أشبه بماده هلامية فهو شديد الطواعية والقابلية للتشكيل, لكن تلك الطواعية خادعة, فهو يطاوعنا حتى نظن أننا قد سيطرنا بطبيعته الخاصة, تماما كما تفعل ذلك المواد الهلامية. إن الواقع العام يحتفظ بقدرته على البقاء في حيز الغموض والتعقيد والتشابك والتداخل, وتكون ثمرة كل ذلك القابلية للقراءات والتأويلات والتفسيرات المختلفة. ومن هنا تأتي صعوبة التعامل معه. لذا ينبغي إدراك حجم المهمات التي نقدم عليها, فلا نتهاون ولا نتعسف ولا نتعجل. إذا صح هذا التحليل وهذا التنظير, فإن السؤال الذي يفقز أمامنا هو : ما الأدوات وما المناهج التي يجب أن نستخدمها حتى نحصل على صور مقاربة لحقيقة الأوضاع التي نريد معالجتها؟

في تصوري أن أي جواب سأقدمه عن هذا التساؤل سيكون قاصرا, لأن النظام اللغوي الذي نستخدمه في تصوير ما نريد تصويره يظل دائما في حالة من القصور الذاتي, فإذا أضفنا إلى ذلك أن تصوري عن المناهج والأدوات التي يجب استخدامها في اجتراح ذلك الواقع هو الآخر غير تام وغير واضح وغير دقيق. لكن لابد أن نقول ما توصلنا إليه.

نحن نحتاج في بداية الأمر إلى تعريف ما نريد معرفته, ويمكن القول : إن التوصيف الجيد لأي مشكلة يشكل نصف الحل المطلوب, ويمثل النصف الثاني في العثور على العلاج الملائم.

عندما نتخذ من هذا تقليدا ثقافيا فسيتضح لنا شيئان مهمان :

الأول : صعوبة وضع التعريفات وصعوبة الحصول على توصيفات جيدة

أما الثاني فهو : عظم الفائدة التي سنحصل عليها من وراء ذلك .


One thought on “المناعة الفكرية 2 ..

  1. شكراً على هذا .. الأنتقاء الرائع

    حلقي يا روح .. اسئل الله ان ينفك بك

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s